الشرفي والحداثة: نقد التّراث كفيل بنفض الغبار عن الإسلام التّاريخيّ
05 يونيو (حزيران) 2014 13:53 | 0 تعليق | عمان - منى شكري
أضحى مفهوم "الحداثة" بالنّسبة للعالم الإسلاميّ هاجساً وجوديّاً مصيريّاً أكثر منه معرفيّا، ذلك أنّه بات شرطاً محدّداً للحضور الفاعل في التّاريخ. يلتقي في ذلك المتحمّسون للحداثة في العالم العربيّ الإسلاميّ والرّافضون لها على حدّ سواء. فإذا كان الطّرف الأوّل يرى فيها جسراً للتّقدّم والرّقيّ والتّحضّر والحضور الفعليّ في التّاريخ، فإنّ الطّرف الثّاني يرى فيها تدميراً لتراثه.
والحداثة في الحالين هاجس لا يمكن لعربيّ مسلم أن يتغافل عنه أو أن يعرض عن الغوص فيه، وهو موضوع دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم الدراسات الحداثية للباحث التونسي عيسى جابليبعنوان"الحداثة في الفكر الإسلامي المعاصر: عبدالمجيد الشرفي أنموذجاً".
ولمّا كان الشرفي من أكثر المثقّفين عناية بهذا المفهوم أستاذاً في الجامعة التّونسيّة، ومدافعاً عن ضرورة تحديث العالم الإسلاميّ فكراً ومجتمعاً على المنابر، ومؤلّفاً لعدد وفير من الكتب الّتي تشكّل نظرة مسؤولة لمثقّف معاصر أمام ما تفرضه عليه هذه المسؤوليّة من التزام وصرامة علميّة، وتدبّر وتمحيص وتنظير لواقع مجتمعه من أجل التّقدّم به، ارتأى الباحث أن يتخذه أنموذجاً للدراسة، إذ يوضح أن مصطلح "الحداثة" يتسربل بغلالة كثيفة من الغموض، وتتشعّب مدلولاته حتّى ليعسر على الباحث الإمساك بأطرافه. فكلّ بحث يتّخذ من هذا المفهوم موضوعاً له، ليس مؤمّناً من الانزلاق نحو هذه النّاحية أو تلك. ذلك أنّه من أكثر المفاهيم استعمالاً في كلّ المجالات: الفنّ والأدب والسّياسة والدّين والتّراث...إلخ.
وفي معرض تمهيده للمفهوم يقول الباحث إنّ الحداثة "إشكاليّة" جعلت من كلّ معطى سبقها محلّ إشكال، كما أنها "قطيعة" مع ما سبقها؛ أي إنّها تعيد إنتاج المعطى نفسه إنتاجاً جديداً قائماً على أسس مغايِرةٍ ورؤى مخصوصةٍ، والحداثة، هدم وبناء؛ بمعنى أنّها تفكّك كلّ معطى تفكيكاً ميكانيكيّاً، فتعيده إلى مكوّناته الدّنيا وتفحصها، لتتبيّن الأسس الّتي قامت عليها والمنطق الّذي ربط هذه الأجزاء.
وينوه جابلي إلى أن الشرفيّ يعير مبحث الحداثة مكانة مهمّة في نسقه الفكريّ؛ فقد اهتمّ بهذا المفهوم اهتماماً بالغاً في مؤلّفاته خاصّة في كتابه "لبنات"- موضوع هذا البحث-، ولئن لم يتوسّع في تناول هذا المفهوم بالتّحليل نظريّاً، فإنّ تأثيره في فكره واضح جليّ.
وحدّد الشّرفي، وفق الباحث، مفهومه للحداثة في كتابه معتمداً مدخلاً حضاريّاً، حيث يقول: "هي نمط حضاريّ تتميّز به البلدان الأكثر تقدّماً في مجال النّموّ التّقنيّ والاقتصاديّ والعلميّ والاجتماعيّ والسّياسيّ؛ أي هي النّمط الحضاريّ الغربيّ كما تحقّق منذ القرن السّابع عشر للميلاد في أوروبا ثمّ أمريكا فاليابان".
ويعدد الباحث إرهاصات الحداثة عند الشرفي الذي يعود بها إلى زمن الحروب الصّليبيّة، حيث لقاء الغرب بالشّرق وانتشار الفلسفة الرّشديّة في أوروبا وغيرها من العوامل الّتي يركّز منها على ثلاثة بالخصوص؛ أوّلها اكتشاف غوتنبرغ للطّباعة في منتصف القرن الخامس عشر، والحدث الثّاني هو أطروحات لوثر، ويتمثّل الحدث الثّالث في اكتشاف كوبرنيك سنة 1562 م لدورة الكواكب حول نفسها وحول الشّمس.
ويضيف جابلي، أن العوامل السابقة، وفق ما أوضح الشرفي، مكنت من اتّخاذ مسار محدّد للحضارة الغربيّة لم تحد عنه طيلة قرون طويلة، بدأ بكسر القيود الّتي كانت الكنيسة تفرضها على المجتمع، وفتحت آفاقا شاسعة للمعرفة والفهم واضمحلّت النّظرة التّقليديّة للأشياء.
ويتتبع جابلي خصائص أهمّ عنصر من العناصر الّتي اشتملت عليها الحداثة وهو الزّمن، الّذي ركز عليه الشّرفي في كتابه "لبنات" حيث أشار إلى أنه إذا كان النّاس قديماً ينظّمون أيّامهم بشروق الشّمس وغروبها، ويؤرّخون بالمناسبات والكوارث، فإنّ زمن الحداثة أصبح أكثر دقّة وضبطاً.
أمّا الخصيصة الثّانية لزمن الحداثة، حسب الشرفي، فتكمن في الخطّيّة، ذلك أنّ الزّمن في المنظومة القديمة كان زمناً دائريّاً ينظر إليه بوصفه دورة تنطلق من نقطة محدّدة لتعود إليها حتماً. خلافا لذلك، فإنّ "الزّمن الحديث لم يعد دائريّاً بتعاقب الفصول والسّنوات وبتوالي الملوك والأمراء والولاّة، ولم يعد كذلك يحتوي على فترة تأسيسيّة ذهبيّة، تغمر بنورها ظلمات ما قبلها وتنفتح على أفق أخرويّ مرتقب".
في حين تعتبر التاريخية، خصيصة زمن الحداثة الثّالثة عند الشّرفيّ، إذ تخلّى إنسان الحداثة عن التّفسيرات المتعالية للزّمن؛ أي بربط الأحداث التّاريخيّة بتفسير يلعب فيه المفارق الدور المحوري المحرّك والمتحكّم في ما يؤول إليه كلّ حدث.
ويقف جابلي على المحتويات المعياريّة الثّلاثة للحداثة، كما يراها الشّرفيّ، متمثّلة في الوعي بقابليّة الخطأ وكونيّة المبادئ الّتي دعت إليها الحداثة وتكريس قيمة الحرّيّة الذّاتيّة في مجال الحياة الخاصّة، وفي المجتمع وفي الدّولة وفي الفضاء العموميّ.
وينطلق الباحث في دراسته للمشروع الحداثوي للشرفي من خلال أربعة أسس منها نقد العقل الإسلاميّ، وهو أساس كلّ تحديث تأسّياً بالمفكّر الجزائريّ محمّد أركون الّذي ركّز في مشروعه الحداثيّ على نقد العقل الإسلاميّ، واعتبر ذلك مدخلاً للحداثة. ومن ثمّ سوف يمكّننا نقد هذا العقل الإسلاميّ من اكتشاف تاريخيّته؛ أي خضوعه للظّروف الّتي يمليها الواقع بأبعاده السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة المختلفة. ومن ثم إعادة قراءة التّراث الدّينيّ، وإعادة النّظر في المؤسّسة الدّينيّة، والمصالحة مع العلمنة.
ويشير الباحث إلى أن المفكّر أركون يثبت "أنّ مفهوم العقل له تاريخ"، ويتنزل في كلّ الأحوال في بيئة معيّنة تطبعه بطابعها؛ لأنّه "ليس شيئاً مجرَّداً قابعاً في الهواء، وإنّما هو شيء محسوس ومؤطَّر بشكل جيد، فللعقل تاريخيّته أيضاً، وكلّ واحدٍ من هذه العقول المذكورة مرتبط بالبيئة والمجتمع والحالة التطوريّة للأنظمة الثقافيّة والمعرفيّة السائدة في زمن كلّ مفكّر"، بحسب قول أركون.
ويؤكد جابلي أن نقد التّراث يمثل ركيزة أساسيّة في المشروع الحداثيّ عند الشّرفي، ذلك أنّه الكفيل الوحيد بنفض ما تراكم من غبار على الإسلام التّاريخيّ وما كرّسه من عادات وتقاليد وأفكار وآراء وأحكام فقهيّة وتصوّرات للحياة والموت والوجود أضحت اليوم بحكم التّقادم من المقدّسات أو من "اللاّ مفكّر فيه".
ويوضح الشّرفيّ، وفق ما أورد الباحث، أنّ المؤسّسة الدّينيّة في الإسلام "لم تكن واحدة أو متجانسة مطلقاً، ولكنّ التّناقضات الّتي تشقّها تناقضات ثانويّة إذ إنّها كانت متضامنة على أكثر من صعيد"، من ذلك الذّود عن منزلتها وضمان استمرار ما تتمتّع به من سلطة معنويّة.
ويرى الشرفي، بحسب جابلي، أنّ المؤسّسة الدّينيّة عكست الطّبقيّة الّتي كرّسها الفقهاء من خلال مبدأ التّكليف بتوسيع تكليف السّلطان والتّضييق على من لم ينل حظّه من السّلطة. كما أنّ المؤسّسة الدّينيّة قد أسهمت بشكل أو بآخر في تعاظم دور الأولياء والصّالحين الّذين استمدّوا مشروعيّتهم من غياب سلطة العلماء الّذين اكتفوا بالحواضر، وتركوا المجال في البوادي مهملاً، فسمح ذلك بتسريب الكثير من الخرافات والمعتقدات الوثنيّة إلى البوادي، حيث الفقر والجهل وسيطرة الخرافة والمعتقدات الأسطوريّة على الأذهان.
ويخلص الشرفي، وفق الباحث،إلى أنّ فهم التّطوّر التّاريخيّ للإسلام لا يمكن أن يكون ناجعاً ما لم تؤخذ بعين الاعتبار عوامل مهمّة، مثل الثّقافة السّائدة وخصائص النّظام الاجتماعيّ الّذي احتكّت به المؤسّسة الدّينيّة وعملت على تكييفه.
وفيما يتعلق بالعلمنة، يرى الشرفي، حسب جابلي، أنّه وإن كان مفهوماً مستحدثاً، فإنّ جذوره قد سبقت وجوده بزمن طويل. كما أنّها ظاهرة كونيّة ليست حكراً على الغرب وحده تؤثّر في كلّ المجتمعات بلا استثناء، غير أنّ الّذي يختلف من مجتمع إلى آخر اختلاف في درجة التّأثير لا أكثر.
ويخلص الباحث إلى أن مشروع الشّرفيّ يمثل محاولة جريئة لمراجعة العقل الإسلاميّ في ضوء الواقع المعاصر الّذي لا يقلّ تعقيداً عن مفهوم الحداثة نفسه، واقع عصفت فيه الاتّصالات والتّكنولوجيات الحديثة بكلّ الحدود، فأضحى العالم مرتعاً للمتناقضات، وصار الإنسان كالتّائه لا يعرف كيف يعيش غده.
لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:
http://www.mominoun.com/arabic/ar-sa/articles/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D9%88-%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D8%B1--%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC%D8%A7/8743
أضف تعليقاً
* اختياري
