المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية بعد ثورات الربيع
05 يونيو (حزيران) 2014 13:33 | 0 تعليق | عمان - منى شكري
في أفق المصالحة - (أرشيفية)

انطرح وبشدة، في البلدان التي عرفت ثورة أو حتى في تلك التي لفحها الربيع من بعيد بانتفاضات لم تصل إلى أن تكون ثورة، سؤال المصالحة الوطنية الذي ما انفك يعيش أطوارًا من المد والجزر من بلد لآخر بحسب الظروف والمتغيرات الوطنية والإقليمية لكل قطر على حدة.

ورغبة من الجميع في تسريع إجراءات المرحلة الانتقالية التي قد تحمل في طياتها تهديدًا للثورة، أضحى من الضروري تدبير المرحلة الانتقالية وما يفرضه من أولى الأولويات، حماية للثورة وضمانًا لتحقيق أهدافها.

ومن هذا المنطلق، تتلمس دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" بقسم الدين والسياسة للباحث المغربي محمد طيفوري بعنوان "آفاق المصالحة الوطنية بعد الثورة"، أجوبة لأسئلة تتفرع من الإشكالية الكبرى حول آفاق المصالحة الوطنية في العالم العربي، وهي: ما مدى قدرة الشعوب الثائرة على التصالح فيما بينها؟ وهل هي قادرة على تجاوز كل إبداعات المستبد العربي؟ وهل من معيقات تحول دون نجاح هذه المصالحة؟ وأي عوامل يمكن الاعتماد عليها لضمان نجاحها؟ وهل في تجارب المصالحة التي نجحت نماذج يمكن الاقتداء بها في العالم العربي لقيام قواسم مشتركة بينها؟

ويوضح الباحث أن المصالحة الوطنية تعد عنصراً من العناصر المحورية في العدالة الانتقالية التي تعتبر هي الأخرى حلقة صغرى في مسلسل أكبر هو الانتقال الديمقراطي، منوهاً إلى أن هذا الترابط يفرض تحديد السياق الذي تأتي فيه المصالحة الوطنية، وتحديد الآليات اللازمة لإعمال المصالحة الوطنية.

ويشير طيفوري إلى أن العدالة الانتقالية في تعريفها البسيط عدالة غير قضائية، ولا تستند إلى قانون أو تشريع؛ فهي باختصار عدالة ناقصة في ظروف استثنائية. ولا بد منها في مرحلة الانتقال من نظام قمعي مستبد إلى نظام ديمقراطي، يدفن تركة الماضي بما شابها من انتهاكات لحقوق الإنسان وتمييز وقمع وفساد.

   وتقوم فلسفة العدالة الانتقالية، وفق الباحث، على أن التعامل مع موروث الماضي لا يحقق العدالة فقط، وإنما يضمن في المستقبل الشفافية والالتزام بمبادئ الديمقراطية بعد المصالحة من قبل المؤسسات العامة؛ فهي ليست فلسفة "انتقامية"، ولها دور فاعل في بناء مؤسسات حكم على أسس جديدة، وفي إطار لا يسمح بالإفلات من العقاب.

ويرى طيفوري أن المقاربة الشمولية للعدالة الانتقالية تستوعب جملة من العناصر الرئيسة، وهي:المحاسبة، الكشف عن الحقيقة، المصالحة، إصلاح المؤسسات، جبر الضرر.

ويبين الباحث أن المصالحة الوطنية في أبسط معانيها عملية للتوافق الوطني، تنشأ على أساسه علاقة بين الأطراف السياسية والمجتمعية قائمة على قيم التسامح، وإزالة آثار صراعات الماضي ومخلفات العهد البائد، من خلال آليات محددة، ووفق مجموعة من الإجراءات التي يتقيد بها الجميع ويخضعون لها دون استثناء.

 وتقوم المصالحة الوطنية، بحسب الباحث، على أساس معالجة تجاوزات حقوق الإنسان قصد القطع معها، وضمان عدم تكرارها في المستقبل. والقطيعة هنا لا تعني الانطلاق من الصفر، بل تعني التغيير والتجديد، وتحصين ما تمت مراكمته من طرف الشعوب في مسار البناء الديمقراطي.

وحول آليات المصالحة الوطنية، يبين الباحث في الدراسة، أن المنظمات الدولية التي تهتم بحقوق الإنسان والسلم المجتمعي في العالم، وضعت بعض المعايير الواجب اتباعها لبدء عمليات المصالحة الوطنية، والمتمثلة أساسًا في: إنشاء آليات وطنية فعالة لتوثيق الحقائق المتعلقة بالجرائم، فضلاً عن إنشاء لجان لتقصي الحقائق بغرض التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت، إلى جانب تذليل جميع العقبات أمام عمل هذه اللجان، مع إعطائها كامل الصلاحيات في التحقيق، فضلاً عن وضع توصيات فعالة بشأن تقديم تعويضات كاملة لجميع الضحايا وأسرهم.

ويؤكد الباحث أن الحاجة تبدو أكثر من ملحة لإعمال المصالحة في العديد من البلدان العربية. ويشير إلى أن تجربة الإنصاف والمصالحة في المغرب الوحيدة المعترف بها من قبل المركز الدولي للعدالة الانتقالية، إذ تضافرت عوامل عدة لتقديمها أول نموذج في العالم العربي، رغم ما اعتراها من قصور ونواقص في العديد من النواحي. غير أن ذلك لم يحل دون الاعتداد بها من قبل العديد من الدول الثائرة التي تجد فيها الكثير من التقاطعات مع واقع حالها اليوم.

ويلفت طيفوري إلى أنه وبمجرد الشروع في تدبير المرحلة الانتقالية لما بعد الثورة، بدأت تظهر محاولات المصالحة الوطنية من دولة لأخرى، بل برزت في بعض الدول التي شهدت انتفاضات فقط، ما يكشف عن مدى وعي الشعوب بجدواها كأداة للتطهير الإيجابي لكل الشوائب التي تلتصق في الذاكرة.

ويذكر طيفوري بعض التجارب العربية الواعدة بالمصالحة منها؛ إقرار وزارة الشؤون القانونية في اليمن بتاريخ 6 حزيران (يونيو) 2012، مشروع قانون بشأن العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وتشكيل هيئة تقصي الحقائق والمصالحة في ليبيا، فضلاً عنإنشاء المؤسسة البحرينية للمصالحة والحوار المدني.

ويرى أن الشعارات ومراكمة النصوص القانونية والتنظيمية من أجل سك تجربة متميزة للمصالحة، لا تكفي ما لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية تدفع في هذا الاتجاه، وتجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار سياسوي ضيق أو صراع حزبي أو أيديولوجي.

وفي هذا السياق، ينبه الباحث إلى جملة من المعوقات التي تتهدد جبهات المصالحة المفتوحة على أكثر من دولة بالعالم العربي، ومن أبرزها: المواقف والتصورات المسبقة عن المصالحة الوطنية، والتي تؤثر على مدى استعداد الأطراف المتنازعة للدخول عملياً في إجراءاتها.

 أما عن العوامل اللازم استحضارها بغية ضمان فرص أكبر لنجاح مشاريع هذه المصالحة، وفق طيفوري، فهي: ضرورة مراعاة الخصوصية الخاصة بكل بلد، والحرص على المقاربة التشاركية بتمثيلية كافة الأطراف المتصارعة دون إقصاء لهذا الطرف أو ذلك الفصيل، مع اعتماد الشفافية والوضوح في المصالحة والحوار.

ويخلص الباحث إلى أن هيئات المصالحة قوة معنوية وأخلاقية وضمير حي، انبعث من تحولات وتداعيات وتحديات وصراعات مريرة، وقعت في المجتمع وفي السياسية، وهي تعبير عن انتصار قوة العقل والسلم بعد سكوت البنادق والمسدسات الكاتمة للصوت، وانتهاء عهد زوار الفجر، وهي سلطة معنوية وأخلاقية تعيد الاعتبار للضحايا ولذاكرة المجتمع.

ومحمد طيفوري هو باحث مغربي وناشط حقوقي، عمل سابقاً لدى المركز العلمي العربي للدراسات والأبحاث.

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا

http://www.mominoun.com/arabic/ar-sa/articles/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D9%88-%D8%A3%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AB/%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9/8676

أضف تعليقاً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق