مالك بن نبي: الخروج من طغيان الأشخاص والأفكار
06 يونيو (حزيران) 2014 11:04 | 0 تعليق | عمان - منى شكري
"لا أقول إنه (نبيّ) لكني أقول إنه ينهل من نفحات النبوة ويتابع الحقيقة الخالدة"، بهذه الكلمات يلخص محمد المبارك مالكاً بن نبي في تقديمه لأحد أعمال المفكر والفيلسوف وعالم الاجتماع الذي أسس ثورة فكرية عربية خالصة من خلال استقلالية منهجه وتجربة شخصية تمحورت حول ثلاثية الدين والإنسان والتاريخ، بثها في إنتاجه الفكري الغزير، ما كرسه كما يرى كثيرون "ابن خلدون العصر الحديث".
أبصر مالك بن نبي النور سنة 1905 في أسرة فقيرة ضمن مجتمع محافظ بمدينة قسنطينة شرق الجزائر. وتفتحت مداركه "غريباً كصالح في ثمود" في محيط محاصر بين قيود التقاليد وأغلال استعمار فرنسي ناهز وجوده في بلاده حينها قرناً من الزمان، أوصلته ليدرك أن التبعية غير المدروسة لأفكار "الآخر" لا تقل سوءاً عن التقوقع في أسر تراث "الأنا".
انتقلت أسرته إلى مدينة تبسة حيث نال شهادة الثانوية العام 1925، وبدأ رحلة بحث عبثية عن عمل يناسبه إلى أن غادر بلاده في العام 1930 متوجهاً للمرة الثانية إلى باريس لمواصلة دراسته هذه المرة، لكن لم يكتب لرغبته في دخول معهد الدراسات الشرقية أن تتحقق، فتوجه إلى مدرسة اللاسلكي، ليتخرج أول مهندس كهربائي جزائري العام 1935، ويتزوج من مهندسة فرنسية أعلنت إسلامها واتخذت لها اسم "خديجة"، ثم تمر الأيام ليتخذ زوجة جزائرية ويرزق منها بثلاث بنات.
ورغم أن حظه من التعليم الديني لم يكن كثيراً، إلا أن بن نبي انغمس في مشروعه الهادف إلى "تقعيد الفكر الإسلامي" الذي نذر له حياته عله يتمكن من الإجابة عن السؤال الذي أرقه "لماذا تأخرنا وتقدموا؟" من خلال اتباع منهج علمي محدد يتكئ على أساس متين من علوم النفس والاجتماع والتاريخ. يقول "نحن لا نستطيع أن نصنع التاريخ بتقليد خطى الآخرين في سائر الدروب التي طرقوها، بل بأن نفتح دروباً جديدة".
أصدر كتابه "الظاهرة القرآنية" سنة 1946، ثم "شروط النهضة" 1948، الذي طرح فيه مفهومه الأشهر (القابلية للاستعمار).."السلاح النفسي الأكثر خطورة لتكريس التبعية للخارج الاستعماري"، ثم كتاب "وجهة العالم الإسلامي" 1954، وصولاً إلى كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" الذي يعده بعضهم من أهم ما كُتب بالعربية في القرن العشرين.
وخلال وجوده في فرنسا، تعرض للسجن عامي 1945 و1946 في "مدينة النُّور" على خلفية محاضرة له بعنوان "لماذا نحن مسلمون؟"، حضرها اتحاد الشباب المسيحيين. وبين العامين 1948 و1955، نشر مقالات في صحيفتيْ "الجمهورية الجزائرية" و"الشاب المسلم". وكان يرى أنَّ "ماضي الأمة المجيد" لا ينبغي على الإطلاق أن يكون أفيوناً لتنويم الشعوب المسلمة، بل يجب أن يكون حقيقة محركة تعيدها إلى الحياة، وتشدهم إلى مصير الإنسانية المشتركة. ولطالما دعا إلى الخروج من "طغيان الأشخاص والأفكار" فلا جدوى عنده من انتظار بطل تاريخي ليأخذ بأيدي الأمة، أو "الهروب" إلى قضايا تأخذ أكبر من حجمها.
اتَّجه، منذ نشأته، نحو تحليل كل ما يدور حوله من خلال جسر منهجي شيده لنفسه من لبنات الثقافتين الغربية والشرقية أوصله إلى أن تخلف أمته قضيَّة حضارية في المقام الأول ما جعله يصطدم مع بعض رموز التيار الإسلامي كسيد قطب الذين كانوا يرون أن "الإسلام هو الحضارة وكفى"، وقد اختار لذلك أن يضع كل كتبه تحت عنوان "مشكلات الحضارة".
وكان، فضلاً عن ذلك، صاحب نظرية جمالية في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر ترى أن المبدأ الأخلاقي هو الذي يقرر الاتجاه العام للمجتمع ويصوغ صورته.
في العام 1956 انتقل إلى مصر عبدالناصر الذي لامه كثيرون على عين الرضا التي كان يراه من خلالها، ليكتب كتابه "فكرة الإفريقية الآسيوية"، وتشرع أعماله الجادة الأخرى تتوالى.
وقيض له، بعد استقلال الجزائر العام 1962 أن يعود مديراً للتعليم العالي، حتى استقالته العام 1967 متفرغاً للكتابة، ومدشّنا مذكراته التي أطلق عليها "مذكرات شاهد القرن"، كما قام بتنظيم العديد من الندوات الفكرية في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وإليه يرجع الفضل في فكرة الملتقيات الإسلامية الَّتي استمرت أكثر من عشرين عاماً.
يرى بن نبي أن ثمة شروطاً للحضارة "لا يمكن استيرادها من بلد إلى آخر.. لأن الحضارة إبداع، وليست تقليداً أو استسلاماً وتبعية كما يظن الذين يكتفون باستيراد الأشياء التي أنتجتها حضارات أخرى.. فبعض القيم لا تباع ولا تشترى..". وبهذه النظرة كان يرى أن الديمقراطية ليست مجرد وصفة جاهزة للتطبيق، بل مجموعة من الشروط الاجتماعية والسياسية الضرورية لتكوين وتنمية الشعور في الفرد، وأن قضية المرأة العربية والمسلمة ليست مجرد حرية وتحرر بل قضية "حضور".
ظل صاحب هذا العقل التحليلي الفذ، حتى وافاه الأجل العام 1973، مهموماً بقضايا أمته التي عساها لا تحتاج، لاكتشاف قيمة تلك المدرسة الفكرية التي أسّسها، إلى مستشرق آخر يطلق صيحته المفتونة: "إن مفكراً عظيماً آخر مرّ من هنا".
أضف تعليقاً
* اختياري
