المهدي المنجرة: عالم المستقبليات في مجرة النسيان..
25 مايو (أيار) 2014 10:09 | 0 تعليق | الرباط - سعيدة شريف
المهدي المنجرة - (أرشيفية)

يرقد المفكر المغربي وعالم المستقبليات المهدي المنجرة منذ سنة تقريبا في المستشفى بالعاصمة الرباط، بعد أن أعياه المرض القاسي، ولم يعد يستطيع المكابدة والاشتغال بمكتبه بحي أكدال، المكتب الأثير لديه، الذي طالما استضاف فيه أصدقاءه وطلبته بحب كبير، وناقش معهم أطروحاته ونظرياته، التي حرم عليه نشرها بالجامعات المغربية.

قساوة المرض عصيبة على المرء، لكن الأنكى منها هو النسيان والجحود والإهمال الذي طال هذا المفكر المتنور، لسنوات في بلده المغرب، رغم الخدمات الجليلة التي قدمها له، ومازال يطاله اليوم، وهو الأمر الذي حدا بمئات الباحثين والأكاديميين الشباب إلى إطلاق حملة إلكترونية في جميع مواقع التواصل الاجتماعية لمساندة عالم المستقبليات المهدي المنجرة، والمطالبة برفع الحيف والحصار عن هذا العالم الجليل، صاحب المواقف الوطنية الرفيعة، التي جلبت عليه لعنة السلطات، وجعلته اليوم يعاني في صمت رهيب، رغم أنه كان أول من تنبأ بانهيار الأنظمة العربية والانتفاضات الشعبية العربية.

ازداد المهدي المنجرة بالعاصمة الرباط في 13 مارس من عام 1933، ودرس بثانوية "ليوطي" بالرباط، لكن نقاشاته الحادة مع المدرسين الفرنسيين حول الاستعمار الفرنسي، عرضته للطرد، ما دفع بوالده محمد المنجرة إلى إرساله إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1948 لإتمام دراسته الثانوية والجامعية، ويكون بذلك أول طالب عربي يدرس الثانوي بأمريكا، خاصة أن والده كان رجلا متنورا، يهتم بعلم المستقبليات، ومؤسس أول نادي عربي للطيران عام 1924.

عينه الملك الراحل محمد الخامس مديرا للإذاعة الوطنية، التي لم يستمر بها لوقت طويل، وذلك لرفض المخطط الذي وضعه لتطويرها وتحديث أساليب عملها، كما كان مستشارا في اللجنة الدائمة للمغرب بالأمم المتحدة، وتقلد عدة مناصب في منظمات دولية بين 1961 و1981، من ضمنها رئيس قسم إفريقيا، ونائب المدير العام لمنظمة اليونسكو مكلف بالعلوم الاجتماعية والإنسانية والثقافية.انتخب رئيسا للفدرالية الدولية للدراسات المستقبلية، ورئيسا مؤسسا للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وعضوا في أكاديمية المملكة المغربية، والأكاديمية الإفريقية للعلوم والأكاديمية الدولية للفنون والآداب.

عمل المنجرة مستشارا وعضوا في العديد من المنظمات والأكاديميات الدولية، وساهم في تأسيس أول أكاديمية لعلم المستقبليات، وترأس خلال أربعين سنة أكبر معهد للأبحاث المستقبلية والاستراتيجية في العالم، حيث يعد أكبر خبير مستقبليات على المستوى العالمي، كما حصل على العديد من الأوسمة والجوائز العالمية الرفيعة من بينها جائزة من الإمبراطور الياباني عن بحث له بخصوص أهمية النموذج الياباني بالنسبة للعالم الثالث.

عُرف المنجرة بمواقفه النضالية الوطنية وآرائه الجريئة في سياسة الملك الراحل الحسن الثاني، رغم أنه كان زميله في الدراسة. عُرضت عليه العديد من المناصب، منها وزارة المالية والوزارة الأولى، لكنه رفضهما، وتعرض بسبب ذلك للمنع من إلقاء المحاضرات في المغرب، لكنه في المقابل لقي اهتماما من طرف المؤسسات العلمية الغربية، حيثتولى عمادة الجامعات اليابانية في تسعينيات القرن الماضي، وتولى رئاسة العديد من اللجان، ووضع مخططات تعليمية ناجحة لعدة دول أوروبية، لكن بلده لم يلتفت للانتقادات والتوجيهات التي كان يقدمها للتعليم بالمغرب من باب الغيرة والحس الوطني، وهو ما جعل التعليم المغربي متخلفا، ويعاني من تصدعات جراء الإصلاحات الترقيعية، وهي الأمور التي طالما أشار ونبه إليها المنجرة.

اشتهر المنجرة بكتاباته العديدة حول العلوم الإنسانية، والقضايا السياسية، والاجتماعية، والفكرية، والحقوقية، وقضايا العولمة، والقيم الاستراتيجية، والتنمية، وثنائية التطور والتخلف، وارتبط اسمه بعلم المستقبليات، وبالعديد من المفاهيم الفكرية الجديدة من مثل: الاستعمار الجديد، والميغا- إمبريالية، وصدام الحضارات أو الحرب الحضارية، التي اعترف له المفكر الأمريكي صمويل هنتنغتون بسبق اكتشافه لهذا المصطلح، والتنويه بإنجازاته العلمية باللغات العالمية: الإنجليزية، والفرنسية، واليابانية، والعربية.

ألف المنجرة أكثر من 500 مقالة في العلم الاقتصادية والسياسية والسوسيولوجية، ومجموعة مهمة من الكتب، التي تجاوز أغلبها الطبعة العاشرة، على الأقل في المغرب، حيث تعد كتبه الأكثر مبيعا في المغرب، كما أنها اعتبرت أيضا الأكثر مبيعا في فرنسا ما بين 1980 و1990. ومن بين كتبه نذكر: "الحرب الحضارية الأولى" 1991، و"حوار التواصل" 1996، و"عولمة العولمة" 1999، و"انتفاضات في زمن الذلقراطية"، و"الإهانة في عهد الميغا إمبرليالية" 2004، و"قيمة القيم" 2007.

رغم ثراء وأهمية مساره الفكري الطويل، فقد رفض المنجرة عدة مناصب سياسية كبيرة بسبب نفاق سياسة المنظمات الدولية، والأجهزة المغربية، فنذر حياته للدفاع عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان، ومواجهة بغي السلطات الحاكمة، ليس في المغرب فحسب، بل عبر العالم، فخلق سنة 1991 جائزة التواصل الثقافي شمال – جنوب، عقب صدور كتابه "الحرب الحضارية الأولى"، فكانت هذه الجائزة تسلم في 17 يناير (كانون الثاني) من كل سنة، بمناسبة الذكرى الرهيبة للحرب التي شنت على العراق. وتمول الجائزة من مبيعات كتب المفكر المهدي المنجرة.

حصل على هذه الجائزة مجموعة من المفكرين والباحثين والفنانين، من بينهم الفنان الساخر المغربي أحمد السنوسي، الشهير بـ"بزيز"، والموسيقار العراقي الراحل منير بشير، والمسرحي المغربي الطيب الصديقي، ووزير العدل الأمريكي الأسبق رامزي كلارك، والفرنسي فرانسوا بورغا، والشهيد الفلسطيني محمد جمال الدرة، والياباني يوكوإيطاكاكي، وأستاذ الاقتصاد الإيطالي ريكاردو بيتريلا، لكن الجائزة توقفت مع مرض المفكر المهدي المنجرة، ولكن صدى أعماله ومواقفه النبيلة لم يتوقف لدى الكثيرين، حيث ما زال اسمه حاضرا لدى الشباب المغربي على الخصوص، الذي آمن بأطروحاته، ووقف على العديد من تنبؤاته المستقبلية، المشددة على التغيير، ليظل المنجرة ليس مجرة فكرية عربية وإسلامية فحسب، بل مجرة فكرية عالمية وكونية.

اضف تعليق

الاسم
البريد الالكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق