محمد الحداد: الحقوق الطبيعية ضعيفة في مجتمعاتنا ( 1 من 3)
14 مايو (أيار) 2014 16:13 | 0 تعليق | الرباط - سعيدة شريف
الرباط - حاورته: سعيدة شريف
يرى المفكر التونسي محمد الحداد أن العالم العربي الإسلامي يعرف اليوم في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، خلطا كبيرا بين المنظومات الثلاث للحقوق، بما فيها الحقوق الطبيعية، والحقوق التعاقدية، والمطالب والامتيازات، التي يعتبرها البعض حقوقا، وهي في الحقيقة ليست بذلك، إلا حينما يتم التعاقد حولها، مؤكدا أن الثورة الحقيقية هي التي تعمل على تغيير آليات نظام الحكم، وليس تغيير حزب بآخر، ووجه بوجه آخر.
وأوضح محمد الحداد في حوار أجرته معه "ذوات"، على هامش مؤتمر "الحقوق الطبيعية في العالم العربي ما بعد الثورة: الواقع والتحديات"، المنظم من طرف المركز العلمي العربي للدراسات والأبحاث بالرباط، بتعاون مع مؤسسة جيفرسون الأمريكية من 18 إلى 20 أبريل (نيسان)، أنه رغم تقدم الدستورين المغربي والتونسي، فإن بعض موادهما لم ترق بعد من مستوى البيانات المطلبية الانتخابية إلى مستوى القوانين.
وأشار الحداد إلى أن حرية المعتقد والضمير ضرورة وليست ترفا فكريا، وأن التنظيم الاجتماعي اليوم لا يجب أن يقوم على أساس الدين، بل يجب أن يكون مدنيا، منبها إلى أهمية الإصلاح الديني في المجتمعات العربية الإسلامية، والتي يرى أنها جزء أساسي من عملية التحديث، خاصة بعد تنامي الكثير من مظاهر التدين في العالم العربي الإسلامي، البعيدة عن روح الدين.
ومحمد الحداد، أستاذ جامعي تونسي، تابع الدراسات العليا بفرنسا وحصل على شهادات في الآداب الفرنسية وفي الدراسات العربية والإسلامية وفي الفلسفة وعلى الدكتوراه في موضوع "الإصلاح الديني الإسلامي من خلال نموذج محمد عبده"، وهو يدرّس حاليا في الجامعات التونسية وأسس برنامجا للدراسات المقارنة للأديان والحضارات ويدير كرسي اليونسكو لدراسةالأديان المقارنة، ويرأس المرصد العربي للأديان والحريات بتونس.
صدرت له مجموعة من الدراسات والمؤلفات، التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: قسم أول قدم فيه قراءة تجديدية للفكر الإصلاحي العربي، وقسم ثاني تنويري أصدر فيه ثلاثة كتب هي: "مواقف من أجل التنوير"، و"قواعد التنوير"، ثم "التنوير والثورة"، وقسم ثالث يدخل في إطار مشروع يسميه بـ "الحداثة النقدية".
وفيما يلي نص الحوار:
* كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن الحق والحقوق في المجتمعات العربية لدرجة جعلت مفهوم الحق ملتبسا، فماذا يعني الحق برأيك؟
- كلمة حق في دلالاتها اللغوية كلمة واسعة، ويمكن أن تعني أشياء كثيرة، خاصة مع الحراك العربي الاحتجاجي، فهناك استعمال مكثف لهذه الكلمة دون تحديد في الغالب لمفهومها. ويمكن أن نتطرق لهذه المسألة من زوايا مختلفة، فالزاوية التي أفضل التركيز عليها وهي أنني أميز بين ثلاث دوائر من الحقوق، أو مما يستعمل على أنه حقوق. فالدائرة الأولى هي الحقوق الطبيعية، وهذه فكرة أساسية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطية. فبالنسبة لحقوق الإنسان هذه المسألة بديهية لأن حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية، بمعنى أنها حقوق أعطيت للإنسان أو أن الإنسان يأخذ هذه الحقوق ويكتسبها ويتمتع بها بصفته إنسانا بصرف النظر عن الارتباطات الجغرافية أو التاريخية أو القبلية أو الأسرية، أو حتى ارتباط المواطن نفسه.
هذا النوع من الحقوق أساسي في مفهوم حقوق الإنسان، وهو أيضا أساسي في مفهوم الديمقراطية، لأن من جملة المشاكل التي ظهرت مع الثورات العربية، هو الاعتقاد السائد لدى بعض الناس بأن الديمقراطية هي حكم الأغلبية، وهذا المفهوم للديمقراطية على أنه حكم الأغلبية وقع تجاوزه منذ فترة طويلة، أي منذ أن صعد هتلر إلى الحكم بانتخابات. فمنذ ذلك الحين أصبح متفقا عليه بأن الديمقراطية هي فعلا حكم الأغلبية، ولكن مهما كانت الأغلبية فليس من حقها أن تتعدى على الحقوق الطبيعية للمواطنين، وحتى وإن كان هؤلاء المواطنون في وضع أقلية. فلا يمكن للأغلبية أن تقتل فئات لأنهم ينتمون إلى أقلية في المجتمع، ولا يمكن للأغلبية أن تمنع فئات من التعليم والصحة، ومن أشياء أخرى، لأنهم يمثلون أقلية في المجتمع. فمسألة الحقوق الطبيعية ضعيفة في مجتمعاتنا، وفي الوقت نفسه فهي أساسية لتكريس حقوق الإنسان والديمقراطية.
أما المنظومة الثانية، فهي التي أسميها بالحقوق التعاقدية، وتدخل فيها حقوق المواطنة، فهي ليست حقوق طبيعية، بمعنى أنها لا تعطى للإنسان لأنه إنسان، وإنما تعطى له حينما يعيش في مجموعة معينة، بحيث لا بد على كل شخص من أن يتخلى عن جزء من حقوقه حتى يتمكن الكل من العيش مع بعضهم البعض. فهذه الحقوق تعاقدية، يتعاقد عليها الناس، حتى تتوفر شروط العيش المشترك بينهم. وهذا التعاقد يأخذ أشكال الدستور، والقوانين التي يسنها البرلمان، وأشكال أخرى غير مدونة، ويعترف بها المجتمع. وخاصية الحقوق التعاقدية هي أنه يمكن مراجعتها، ولكن ينبغي ألا تنسف الحقوق الطبيعية للإنسان، حيث يمكن لها أن تتدخل لتنظيم الحقوق الطبيعية، وليس لنسفها. فعلى سبيل المثال الحرية هي حق طبيعي، والحقوق التعاقدية يمكن أن تنظم عملية ممارسة الحرية في الفضاء العام حينما يكون هناك اشتراك، أما في الفضاء الخاص فيبقى الحق في الحرية مطلقا، طالما أن الشخص في فضائه الخاص، ويرغب في أن يفكر بطريقة معينة، ويلبس بطريقة معينة، أو غيرها. فالتنظيم في الفضاء العام يخضع للتعاقد في المجتمع، فهو ليس بديهيا في ذاته، وإنما يخضع للتعاقد، ويمكن أن يتطور ويتغير مع العصور والأزمنة.
* وماذا عن المنظومة الثالثة من الحقوق؟
- المنظومة الثالثة من الحقوق، هي ما نسمعه اليوم بكثرة على أنه حقوق، وهي ليست في الحقيقة حقوقا بالمعنى العميق، وإنما هي مطالب، أو امتيازات يعتبرها الناس الذين يتمتعون بها حقوقا، وهذا الاعتقاد ذاتي، ولكن في الحقيقة فهي من وجهة نظر الآخرين غير ذلك. فالدعم على المواد الاستهلاكية مثلا، الذي يطالب به العديد من الأشخاص، هذا أمر مشروع إذا كان الشخص فقيرا، ومن حقه أن يطالب بذلك، ولكن ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار بأن هذا الدعم لن يأتي من السماء، بل من ضرائب يدفعها الآخرون. بمعنى أنك أخذت جزء من حقوق الآخرين حتى تصبح حقوقا لك. ولهذا فما يتعلق بالمطالب والامتيازات، فهي ليست حقوق وإنما مشاريع حقوق، فهي قد تصبح حقوقا حينما تتحول إلى الحقوق التعاقدية، أي حينما يتعاقد المجتمع ككل ويقبل بأن يساند تلك المطالب أو الامتيازات. فلا يمكن للشخص في ذاته أن يقرر أنها حقوق في المطلق، فهي فقط مطالب ذاتية، ينمكن أن تتحول في يوم من الأيام إلى حقوق تعاقدية، إذا اتفق الجميع عليها.
وهذا مشكل من المشاكل الكبرى التي بتنا نعيشها في السنوات الأخيرة، حيث أصبحنا نستعمل الحق بالمعنى الثالث، وكل شخص يريد أن يفرض ما يراه هو حقا، ما يؤدي إلى الفوضى، ولا يمكن للمجتمع أن يستقر ويتطور بهذه الطريقة. إذن هناك ثلاث منظومات مختلفة، لكل واحدة منطقها الخاص، وطريقة اشتغالها، فالحقوق الطبيعية هي الأصل، ولا يمكن إلغاؤها بالحقوق التعاقدية، ولكن يمكن تصنيفها ضمن الحقوق التعاقدية، أما المطالب والامتيازات، فهي مشروعة لدى أصحابها، ولكنها لا يمكن أن تصبح حقوقا إلا إذا دخلت إلى منظومة الحقوق التعاقدية.
بهذه الطريقة برأيي، يمكن أن ندخل شيئا من النظام على الفوضى التي نراها اليوم، والتي يمكن تفهمها اجتماعيا، لأنها جاءت نتيجة للكبت والضغط الذي مورس على المجتمعات العربية طويلا، حيث نراها تنفجر اليوم، وليكن دور المثقف أن يحوّل هذا الانفجار إلى عملية إيجابية للبناء.
* ألا يمكن اعتبار الأوضاع التي تعرفها البلدان العربية وعلى رأسها تونس، هي نتيجة لغياب هذه الحقوق أصلا، وسيادة ثقافة الامتياز أو ما يعرف لدينا في المغرب بالريع؟
- بكل صراحة، المجتمعات العربية كلها مجتمعات ريعية بمعنيين، بمعنى أن الاقتصاد نفسه لهذه الدول لا يميل إلى الإنتاج، بقدر ما يميل إلى استعمال ما هو موجود من ثروات طبيعية، وتوزيعها على الناس، وبمعنى أن الناس ينتظرون دائما من الدولة أن تحل لهم كل المشاكل وتوفر كل الحاجيات. نتمنى مع الثورات العربية أن ننتقل إلى الدولة الحديثة في كل المجالات بما في ذلك مجال الاقتصاد، بمعنى الدولة التي تنتج الثروة، وليس فقط التي تستغل الثروات الطبيعية التي وجدت عندها بالصدفة، بل يجب أن تصبح منتجة. وهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق طلبات الناس الذين قاموا بالثورات. الدولة لا يمكن لها أن تعطي للجميع عملا، أو مسكنا، أو ما يكفي لقوتهم وقوت أبنائهم، إلا إذا كانت هناك حركية اقتصادية ترفع من انتاج الثروة، أما إذا بقيت الثروة على وضعها الحالي، فلا يمكن أن تتحقق مطالب الشباب الذين خرجوا في الثورات العربية، لأن ما سيحصل هو أننا سننتقل من نظام كان ريعيا يتمتع بامتيازات معينة، إلى نظام آخر يتمتع بنفس الامتيازات. أي في السابق كان هناك رئيس وحزب معين تمت الإطاحة به، ونشأ حزب آخر ورئيس آخر يستعمل نفس السياسة، فهل هذه ثورة؟ بكل تأكيد لا. وهنا أستشهد بعبارة جميلة قالها مؤرخ الثورة الفرنسية جيل ميشليه، فقد قال إن الذين ثاروا على الملوك كثيرون في فرنسا، ولكن هناك حدث واحد جدير بأن يسمى الثورة، هو حدث عام 1789، لأن كل الذين ثاروا في السابق ضد النظام كانوا يحلمون بأن يصبحوا هم في دور السلطة، إلا الذين ثاروا في عام 1789، فهؤلاء كانوا يكرهون النظام القديم، ويريدون القضاء عليه، وليس الحلول محله. فهذا في رأيي هو التفسير الصحيح لمفهوم الثورة، التي لا تعني تغيير شخص بشخص آخر، ولا حزب بحزب آخر، ولا طائفة بطائفة أخرى تستولي على تلك الامتيازات. الثورة الحقيقية هي التي تغير النظام نفسه، وتغير عقلية الامتيازات، والعقلية الريعية، وتدفع الناس إلى الإنتاج، وإلا فإن الشباب الذين قادوا هذه الثورات سيشعرون بعد سنوات بالخيبة، لأنهم سيجدون أنفسهم في نفس الأوضاع. لا توجد دولة في العالم بما في ذلك الدول المتقدمة جدا اقتصاديا، مثل أمريكا، وألمانيا، تستطيع أن تمنح شغلا ومسكنا لكل مواطن. وما تستطيع أن تقوم به الدولة هو أن تدخل آليات إنتاجية وحرية في المجتمع، وتوفر الدفع والإرادة، وتضمن حقوق الناس، حتى ينتجوا ويستطيعوا تطوير الثروة، وآنذاك يمكن للجميع أن يستفيدوا. وسيكون من المغالطة الشديدة لشباب الثورات العربية أن يقع إيهامهم بأن هناك خزائن قارون ستوزع عليهم، وبذلك ستحل مشاكلهم. وهذا مع الاسف ما قامت بع الكثير من الاتجاهات السياسية من موقع المزايدة للوصول إلى السلطة.
* ذكرت أنه رغم الدساتير العربية الجديدة، ومن ضمنها الدستورين التونسي والمغربي، اللذين يعتبران متقدمين جدا، فإن مفهوم الحق فيهما يظل فضفاضا، خاصة أنهما لم يرقيا بعد من خانة الوعود الانتخابية إلى القوانين، كيف ذلك؟
- أولا يجب أن نعترف بأن الدستور المغربي والتونسي، هما أكثر الدساتير العربية تقدما، وهما من أفضل الدساتير، وإلى حد كبير يمكن أن نقول إنهما جديران بأن يعدا دستورين حديثين. ولا بد أن نقول إن الحراك العربي على المستوى الدستوري في المغرب وتونس، انتهيا إلى نتيجة إيجابية ومهمة، لاسيما أن هذه الدساتير لم تكن مسقطة بل وضعت في إطار حراك اجتماعي، وفي إطار ضغط مارسه المواطنون العاديون، وهذا أمر مهم. هناك الكثير من الإيجابيات في الدستور المغربي، منها ما يتعلق بالهوية والروافد الثلاثة، والمكونات الأربع، وهذه الأشياء كانت مستحيلة فيما قبل، ناهيك أن الدستور المغربي الجديد يتحدث عن العبرية كمكوّن للهوية المغربية. والدستور التونسي يتحدث عن الدولة المدنية، وعن حرية المعتقد والضمير.
ولكن مع ذلك ففي هذين الدستورين جوانب مطلبية أصبحت مدسترة، وبالتالي أصبحت معها بعض مواد الدستور تشبه البيانات الانتخابية، التي تعد المواطنين بأشياء معينة، وهذا فيه نوع من الخطورة، لأنه يُميّع نوعا ما كلمة الحق. فإذا وضعت أشياء على أنها حقوق وأنت تعلم أن الدولة من المستحيل أن تطبقها لكل إنسان، كالحق في العمل، فحتى في أمريكا والدنمارك هناك عاطلون عن العمل. فهذه الوعود، وليست الحقوق، صعبة التنفيذ، ستخلق لك المتاعب مع الناس، وقد تفقد الدستور مشروعيته، مثل الوعد الانتخابي، الذي يفقد قيمته إذا لم يقم المنتخَب بتنفيذ وعوده. والخطورة هو أن الناس إذا لم يروا تلك الأمور الموضوع في الدستور متحققة على أرض الواقع، فإنهم كما يقول المثل الفرنسي، سيرمون الرضيع مع الماء، وسيفقد الدستور قيمته. وهذا ما نلمسه اليوم في أحاديث الشباب، الذين يرون أنه لا فائدة من الدستور وهم عاطلون عن العمل، ولا يفهمون أن الدستور ليس وثيقة لحل مشكل البطالة، وإنما هو طريقة لإرساء مؤسسات تسمح للمجتمع فيما بعد بأن ينتج الثروة، وأن يتغلب على البطالة، وعلى كل المشاكل الاجتماعية. فهذا الخلط الحاصل في الأذهان يمكن أن يكون خطيرا، أو يحمل على الأقل بذور الخطر.
اضف تعليق
* اختياري
